عاد إلى إيران للمساهمة في إنقاذ البيئة .. ثم اضطر للفرار

العالم الإيراني كاوه مدني

كانت مسيرة العالم الإيراني كاوه مدني العملية في أوجها عندما استقر في مقعده في أوائل 2018 في طائرة متجهة من بانكوك إلى طهران.

كان المهندس المدني رغم نشأته في العاصمة الإيرانية قد سافر من إيران وهو في الثانية والعشرين من عمره لاستكمال دراسته في الخارج وحاز شهرة واسعة لأبحاثه في آثار تغير المناخ على إمدادات المياه.

قبل ذلك بستة أشهر أغرت الحكومة الإيرانية مدني، وهو في السادسة والثلاثين من عمره، بترك فرصة العمل أستاذا جامعيا في لندن بعرض منصب نائب وزير البيئة عليه.

وفي ذلك اليوم كان قد أنهى جولة في أربع دول مثّل خلالها طهران في اجتماعات حول الموارد المائية وقضايا بيئية أخرى. وعقب إقلاع الطائرة أوصل هاتفه بشبكة الواي فاي وتصفح حسابه على تطبيق تويتر.

كانت عدة حسابات على تويتر قد نشرت صورا له في حفل وهو يراقص نساء في تصرف يعتبر خرقا جسيما للياقة من جانب غلاة المحافظين في الحكومة الإيرانية التي يهيمن عليها رجال الدين. وكلما انتقل من صفحة لأخرى ازداد انزعاجه.

قرأ تغريدة باللغة الفارسية جاء فيها “كاوه مدني نائب رئيس إدارة البيئة يعاقر الخمر ويرقص في مبنى تابع لحكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية في ماليزيا. هو يسخر من الشعب الإيراني”.

ثارت الشكوك في نفس مدني أن المتشددين الإسلاميين يقفون وراء المنشور على تويتر وخشي أن ينتظره ضباط مخابرات في مطار طهران للقبض عليه. ولم يكن ذلك مجرد تكهن لا أساس له. فقد كان خلاف يعتمل بين غلاة المحافظين والحكومة المعتدلة نسبيا التي يرأسها الرئيس حسن روحاني ووجد مدنى نفسه طرفا فيه.

كان ضباط قد ألقوا القبض عليه عندما هبطت طائرته في طهران لتولى منصبه الوزاري في العام السابق وأخضعوه للاستجواب على مدار عدة أيام للاشتباه في كونه جاسوسا للغرب، وهي سبة شائعة تلتصق بدعاة الانفتاح على المجتمع الدولي.

وفي الشهور القليلة التالية خضع للاستجواب عدة مرات بل واحتجزته السلطات في بعض الأحيان.

أما هذه المرة فقد شعر أن الأمر مختلف. هذه المرة، هاجموه علانية. هذه المرة خشي ألا يُطلق سراحه.

قال مدني “بالطريقة التي تعمل بها مخابرات الجمهورية الإسلامية، هم لا يديرون المخاطر. بل يزيلون المخاطر”.

إلا أن الحظ حالف مدني في ذلك اليوم فقد فاتته رحلته المباشرة إلى طهران بسبب اجتماع لم يكن في الحسبان وتم حجز تذكرة له على طائرة للعودة عن طريق اسطنبول. وعندما هبط في تركيا لم يصعد إلى الطائرة المتجهة إلى طهران بل اختفى عن الأنظار.

وتكشف مسيرة كاوة مدني في الحياة العملية، رغم ما اصطبغت به من مؤامرات محفوفة بالخطر، عن التحديات الخاصة التي يواجهها العلماء ودعاة الحفاظ على البيئة في العالم النامي على المستويين السياسي والعملي.

أصبح علم المناخ مسيسا في الدول الغنية أيضا بطبيعة الحال بما فيها الولايات المتحدة وأستراليا. وفي إيران أصبح التغير المناخي قضية سياسية لكن بطريقة مختلفة.

فالمسؤولون الإيرانيون لا يرفضون فكرة التغير المناخي. بل يحمّلون مسؤولية النقص المزمن في الموارد المائية والتصحر للدول الصناعية الغربية التي تسببت في نصيب الأسد من الانبعاثات الكربونية.

ويسلّم مدني بأن هذه مشكلة حقيقية غير أنه يعتقد أيضا أنها مجرد ستار. وهو يقول إن أبحاثه توصلت إلى أن الحكومة أساءت إدارة المياه على مدار عقود وسمحت للمطورين العقاريين والمزارعين بالإفراط في استخدامها وتحويلها بعيدا عن مصادرها إلى المدن.

وثمة فارق آخر بين إيران ودول مثل أمريكا واستراليا أن هذه الدول لا تزج بالعلماء وصناع السياسات في السجن.

وتمثل ندرة التمويل للأبحاث الأساسية بكل أشكالها مشكلة أكثر جوهرية للعلماء في العالم النامي. ويتضح هذا من ترتيب قائمة خاصة جمعت فيها رويترز أبرز 1000 عالم في مجال المناخ على مستوى العالم.

فرغم أن العالم النامي يمثل حوالي 70 في المئة من سكان العالم فإن العلماء الذين يعملون في تلك الدول يمثلون واحدا على 20 فقط في القائمة.

وللفوز بالفرص المتاحة لإجراء الأبحاث يسافر كثيرون من شباب الباحثين النجباء إلى دول أكثر ثراء. وهذا ما فعله مدني إذ سافر إلى السويد ثم إلى كاليفورنيا للدراسات العليا. وبعضهم لا يرجع أبدا لبلاده.

قال سليم الحق الباحث في مجال التكيف المناخي القادم من بنجلادش والذي درس ابنه على يد مدني في إمبيريال كوليدج لندن “الفرصة ضئيلة جدا جدا في الحصول على تمويل … ولذك أمضينا تقريبا كل وقتنا في التدريس والقليل جدا من وقتنا في إجراء الأبحاث لأن إمكانية الحصول على تمويل لذلك محدودة للغاية”.

كان لمشاكل مدني السياسية انعكاس آخر. فقد لجأ إلى تورونتو الأمر الذي عطّل أبحاثه. ورغم أنه مازال ينشر أبحاثا من حين لآخر فقد قلّ إنتاجه وخرج من القائمة.

وبذلت رويترز محاولات كثيرة للتواصل مع الحكومة الإيرانية خلال إعداد هذا التقرير. فاتصل مراسلوها بالمسؤولين في البعثة الإيرانية لدى الأمم المتحدة في نيويورك وحاولوا التواصل مع مسؤولين في طهران هاتفيا وعبر البريد الإلكتروني من دبي. ولم يرد أي مسؤول من طرف الحكومة الإيرانية.

وأكد عدد من أصدقاء مدني وزملائه في الولايات المتحدة وإيران روايته للأحداث. كما اطلعت رويترز على التغريدات المنشورة في الفترة التي سبقت اختباءه مباشرة وترجمتها وتأكدت من أنه كان هدفا لحملة ترهيب بالإضافة إلى الاطلاع على تقارير إخبارية معاصرة للفترات التي تم احتجازه فيها.

ولد مدني (39 عاما الآن) في طهران عقب قيام الثورة الإسلامية في 1979 ونشأ مع والديه اللذين لقّناه أهمية إدارة المياه والحفاظ عليها. كان الاثنان يعملان في إدارة حكومية تدير الموارد المائية في إيران التي توجد في أراضيها مساحات جرداء أو تغطيها الأعشاب وجبال ثلجية وسهول حارة رطبة وغابات مطيرة حافلة بالحياة النباتية.

صاحب شغف الوالدين مدنى حتى الجامعة فجعل منه محور دراسته في وقت كان الطلبة الآخرون مازالوا يتحسسون فيه طريقهم.

قال علي ميرشي الذي زامل مدني في دراسة الهندسة المدنية بجامعة تبريز وأصبح يدرس الآن بجامعة ولاية أوكلاهوما “كان يشرح للناس على الدوام … أن المياه قضية كبرى. وقد أصبحت بالفعل قضية كبرى” في إيران. وأضاف “ستصبح قضية كبرى في مختلف أنحاء العالم”.

بعد حصول مدني على شهادته الجامعية في الهندسة المدنية في العام 2003 غادر إيران لمواصلة دراساته في السويد. ومنها سافر إلى أمريكا حيث حصل على شهادة الدكتوراه بجامعة كاليفورنيا، ديفيز. والتحق فيما بعد بإمبيريال كوليدج لندن لتدريس إدارة المياه ونظرية الألعاب وهي طريقة في التحليل الرياضي للمشاكل بناء على الخيارات المتاحة لدى كل مشارك في اللعبة.

وفي عدة أبحاث أخذ مدني تلك المبادئ وطبقها على مشاكل استخدام المياه. ويتمثل أحد الأمثلة البسيطة في مُزارع يحتاج لمياه الري ومطور عقاري يحتاجها لبناء مساكن جديدة. لكل منهما احتياجاته من المياه والموارد تكفي إذا أخذ الاثنان خطوات معتدلة لتقليل استخدام المياه. لكن إذا ارتاب كل منهما في الآخر فسيسحبان من المياه ما يفوق احتياجاتهما الأمر الذي يفضي إلى استنزاف المتاح للجميع.

ويقول مدني إن هذه المشكلة من نوع المشاكل التي تكون الحكومات أقدر فيها على حلها حلا عادلا بضمان التزام الجميع بالمطلوب. وهذا هو نوع المهام التي يشعر أن بإمكانه أن يحدث أكبر تغيير بتضييق الهوة بين العلم والمجتمعات وسياسة الحكومة والتغير المناخي.

وقال إن نظرية الألعاب لا تصلح لكل المشاكل. لكنها أسلوب يساعده في التوصل إلى الحلول.

وقال “هي رياضيات التعاون والتصارع. فبإمكانك استخدامها إما لتصور النتائج المرجحة لمواقف الصراع أو للمواقف التي تحتاج لصنع القرارات أو للتشاور وطلب النصيحة والخروج باستراتيجيات من أجل الحصول على النتيجة التي تريدها”.

ومجال تخصصه الأساسي هو إدارة موارد المياه العذبة التي لا يمكن من دونها أن توجد أغلب أشكال الحياة على الأرض. غير أنه بارتفاع درجة حرارة كوكب الأرض مع التغير المناخي فإن بعض مناطق الأرض تشهد أمطارا أقل كما أن المياه أصبحت موردا عزيزا. وإيران من هذه المناطق.

وموارد المياه من الموضوعات الشائكة في إيران في ضوء دور الحكومة في إدارتها. غير أن مدني لم يتهيب من انتقاد الحكومة علانية.

ففي عام 2016 وقبل عودته كتب هو وميرشي زميله القديم في السكن بجامعة تبريز بحثا استكمالا لبحث نشره مدني في 2014 اتهما فيه إدارة البيئة ووكالات حكومية أخرى بما وصفاه بعبارة “الإفلاس المائي”.

فقد قال الاثنان إن سوء الإدارة تسبب في جفاف بحيرات وأنهار ومستنقعات وأدى إلى تصحر وزيادة العواصف الترابية. ويقول مدني إن الحكومة تخفي هذا الفشل وراء ذريعة التغير المناخي الذي أدى بالفعل إلى ارتفاع درجات الحرارة صيفا وتضاؤل كميات المطر.

وقال مدني “هذا يجعل المشكلة صعبة جدا لاسيما لمن يعمل مثلي في الدول النامية. لأن علينا أن نحذر من التغير المناخي والتأكد من الاعتراف بالخطورة الجسيمة للتغير المناخي والتأكد في الوقت ذاته من أن الحكومة لا تسيء استغلال التغير المناخي”.

وكان البحث المنشور في 2016 تحديا مباشرا للحكومة. غير أنه قال إن بعض المسؤولين الميالين للإصلاح في إدارة البيئة كانوا لا يزالون يريدون عودته رغم اعتراضات المتشددين.

وفي سبتمبر أيلول 2017 ترك مسيرته الأكاديمية بما تحمله من وعود خلف ظهره وعاد إلى وطنه ليقبل منصب نائب رئيس الإدارة وتضمنت مسؤولياته العلاقات الدولية والتواصل الاجتماعي والابتكار.

كان مدني واحدا من أبرز العائدين من المواطنين الإيرانيين في المهجر للعمل في الحكومة. كان ذلك إنجازا كبيرا. فها هو أحد أفراد جيل ما بعد الثورة من المتعلمين في الغرب الذين ينشرون مقاطع على يوتيوب ولهم باع في استخدام تويتر يعود إلى الوطن لمساعدة بلاده.

اختير لتمثيل إيران في مفاوضات مختلفة تتعلق بالمناخ وحصل على جواز سفر دبلوماسي. وفي نوفمبر تشرين الأول 2017 مثل إيران في اجتماعات تطبيق قرارات التغير المناخي (سي.أو.بي23) التي عقدت في بون بألمانيا.

وفي الشهر التالي سافر إلى باريس لحضور الاحتفال بذكرى اتفاقية باريس للتغير المناخي لعام 2015. ومثل عدد كبير من رؤساء الوزراء ورؤساء الدول بلادهم في المناسبتين بينما مثل مدني إيران.

وفي الداخل قال زميل لمدني متخصص في المياه إنه سرعان ما ظهر أثره. فقد استخدم وسائل التواصل الاجتماعي في جذب اهتمام العناصر الفاعلة والساسة بل وبعض رجال الدين للقضايا البيئية وكان من أبرزها التشجيع على عدم استخدام العبوات البلاستيكية ذات الاستخدام الواحد.

وقال خبير المياه إن مدني تصدى لمسؤولين في مشروعات لنقل المياه من منطقة في البلاد إلى منطقة أخرى وهو ما يقول مدني إنه يضر بالبيئة في المناطق التي يتم سحب المياه منها.

وقال الخبير الذي اشترط إخفاء هويته “كان صريحا جدا عندما كان يلقي كلمات في المؤتمرات. انتقد الناس والمسؤولين. وحاول تغيير سلوكهم”.

في ذلك الوقت كان الزميل يأمل أن تؤذن عودة مدني باستعداد إيران للتعامل مع بعض المشاكل المزمنة على الصعيد المائي. وقال إن مدني ومعاونيه كانت لديهم خطط لإنشاء مركز لمراقبة موارد المياه والتنبؤ بالجفاف.

لكن المشاكل كانت تختمر تحت السطح. قال مدني “لم يكن النظام قد تعامل مع حالة مثلي. وكانت هناك قصص كثيرة عن تحويل مسار هجرة العقول وإعادة جيل الشباب لدرجة أنهم واجهوا صعوبات في التخلص مني أو الوثوق بي ثقة كاملة”.

قال مدني إنه عندما وصل إلى إيران أول مرة احتجزه ضباط المخابرات في الحرس الثوري واستجوبوه عدة ساعات عن الفترة التي قضاها في الخارج واتهموه بالتآمر مع دول أخرى منها إسرائيل. وأضاف أنهم صادروا جهاز الكمبيوتر الخاص به وهاتفه.

ولدي مدني شكوك أنهم اخترقوا حسابه على خدمة جيميل للبريد الإلكتروني وقاموا بتنزيل رسائله الإلكترونية على مدار 14 عاما واستخدموها فيما بعد في اليوم الذي سافر فيه إلى اسطنبول.

ولم تستطع رويترز أن تتوصل إلى من اخترق صور مدني ونشر التنديدات بها على تويتر. وقال مدني إنه يعلم أن ضباط المخابرات هم الذين يقفون وراءها لأنه لم يستطع الدخول على رسائل البريد الإلكتروني واضطر أن يطلب من مستجوبيه كلمة السر الجديدة الخاصة به.

وتعرض مرة أخرى للاعتقال وتم استجوابه عدة مرات في الشهور التي قضاها بين عودته إلى إيران في سبتمبر أيلول 2017 وقرار الفرار لكنهم كانوا يخلون سبيله كل مرة.

وفي المرة الأخيرة التي ألقي فيها القبض عليه في فبراير شباط 2018 احتجزت السلطات أيضا ثمانية من الإيرانيين العاملين في مجال البيئة لحماية النمور الآسيوية. وتوفي أحد الثمانية وهو رهن الاحتجاز.

قالت السلطات الإيرانية إن كاووس سيد إمامي الإيراني الحاصل على الجنسية الكندية الذي كان أحد المؤسسين للجمعية الفارسية لحماية الحياة البرية انتحر. وتشك عائلته في صحة ذلك. وصدرت بعد ذلك على بقية أفراد المجموعة أحكام بالسجن بتهمة التآمر مع دولة أجنبية أو التجسس.

وعلى متن الطائرة المتجهة إلى اسطنبول في وقت لاحق من ذلك العام قرر مدني أن من يوفرون له الحماية والدعم خسروا المعركة الداخلية. فقد تم سحق زملاؤه في إيران. وتم إلغاء خططهم لإقامة مركز للموارد المائية بعد رحيل مدني.

وقال الخبير المائي “اليوم الذي رحل فيه عن إيران كان يوما أسود بالنسبة لي”.

كانت سوزان مالوني، الباحثة في الشأن الإيراني التي تعمل الآن في معهد بروكينجز، في وزارة الخارجية الأمريكية عندما عمل مدني في الحكومة الإيرانية وتابعت جهوده وما واجهه من صعوبات من خلال الحسابات الإخبارية ومصادر أخرى.

قالت مالوني إن المغتربين الإيرانيين مثل مدني وإمامي وغيرهما عادوا إلى إيران لخدمة بلادهم ليجدوا أنفسهم محبوسين.

وقالت “أعتقد أن كاوه مدني كان محظوظا للغاية لأنه خرج من إيران دون نتيجة أسوأ مما عانى … وأنا متأكدة من أنها كانت تجربة مروعة للغاية”.

وقال سليم الحق العالم البنجلادشي، الذي يحتل المرتبة 208 في قائمة رويترز، إنه ومدني كانا يلتقيان عرضا على مر السنين. ومع ذلك، فلم يعلم بما حدث لمدني في إيران حتى سبتمبر أيلول 2019، أي بعد 18 شهرا من اختباء مدني، وذلك عندما تقابل الاثنان صدفة في قمة الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ في نيويورك.

وقال إن مصير مدني لم يكن مفاجئا، بالنظر إلى القيود المفروضة على انتقاد الحكومة.

وأضاف “إذا كانت المساحة المتاحة للنقاد محدودة للغاية، فإنه يكاد يكون من المستحيل بالنسبة لنا العمل”.

قال سليم الحق إن مشكلة أكبر تواجه علماء المناخ في العالم النامي هي عدم وجود التمويل اللازم للأبحاث.

فعلى سبيل المثل قال سليم الحق إن ذكر بنجلادش ورد أكثر من 100 مرة في تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتغير المناخي لعام 2014 مستشهدا بأبحاث أكاديمية. غير أن ربع الباحثين الرئيسيين في تلك الأبحاث كان يعمل في بلاده.

ويتسبب التغير المناخي في مشاكل حادة لمن يعيشون في العالم النامي سواء من حيث نقص المياه أو فشل زراعة المحاصيل.

ويتعين على الحكومات بصفة فردية التركيز على الحلول العملية والمباشرة بحفر آبار جديدة أعمق والحد من عمليات الري أو إعادة استخدام مياه الصرف في توفير المياه النقية.

يجادل مدني بأن معظم هذه البلدان لا تستطيع، رغم كل شيء، أن تفعل الكثير لتقليل الانبعاثات على أي حال. وباستثناء الدول النامية الأكثر ثراء، بما في ذلك الهند والمملكة العربية السعودية بل وإيران، فإن معظم الدول النامية تمثل مصدرا ضئيلا لانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، لذلك حتى لو تخلصت من جميع أنواع الوقود الأحفوري، فلن يحقق ذلك نتيجة تُذكر للمساعدة في التعامل مع عواقب التغير المناخي.

وفي إيران، يقول مدني إن مكافحة آثار تغير المناخ والمشاكل البيئية الأخرى تتعقد بسبب علاقة إيران المتقلبة مع الولايات المتحدة وبعض جيرانها، مثل السعودية.

خذ بعين الاعتبار العقوبات الدولية على إيران، التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها والأمم المتحدة في أوقات مختلفة لمعاقبة إيران على شن هجمات على الملاحة في الخليج، ودعم الإرهاب الدولي وسعيها لامتلاك أسلحة نووية. وفي نوفمبر تشرين الثاني، نشر مدني بحثا في مدى الأضرار التي تحدثها العقوبات في البيئة الإيرانية بشكل خاص.

على سبيل المثال، كان تصدير المنتجات النفطية المكررة إلى إيران غير قانوني منذ عقود. لذلك، طورت إيران مصافي النفط الخام الخاصة بها. والنتيجة هي وقود قذر وملوث للبيئة يعمل على تشغيل محطات طاقة كهربائية قذرة وملوثة للبيئة.

وبالمثل، فإن تصدير السيارات إلى إيران غير قانوني أيضا. لذلك، طورت إيران صناعة السيارات الخاصة بها. والنتيجة هي سيارات تفتقر لكفاءة الأداء.

وقالت مالوني، الباحثة في الشأن الإيراني، إن العقوبات تسمح للحكومة الإيرانية بتحميل الغرب تلقائيا المسؤولية عن مشاكل إيران، عندما تلعب العوامل الداخلية مثل الفساد أو سوء الإدارة دورا فيها. وقالت “أعتقد أن إيجاد طرف خارجي لإلقاء اللوم عليه من أعراض نهج الجمهورية الإسلامية تجاه جميع مشاكلها الداخلية”.

مثل مدني، درس سليم الحق وقام بالتدريس في الخارج. وهو يرأس اليوم المركز الدولي لتغير المناخ والتنمية في الجامعة المستقلة في دكا، عاصمة بنجلادش.

ويقول سليم الحق إن هناك فرقا واضحا بين أبحاث تغير المناخ في أوروبا وأمريكا الشمالية والأبحاث الجارية في البلدان النامية، مثل بنجلادش.

فالعلماء في الغرب بارعون في العمل على الحلول التكنولوجية لتغير المناخ، مثل تكنولوجيا الطاقة الشمسية أو أنظمة تنقية غاز ثاني أكسيد الكربون.

وقال إن العلماء في الدول الفقيرة مثل بنجلادش نادرا ما يُتاح لهم المال أو الخبرة الكافية للقيام بهذا النوع من الأبحاث. إلى جانب ذلك، من شبه المؤكد أن بعضا من أسوأ آثار تغير المناخ، بما في ذلك فترات الجفاف الأطول، وموجات الحر الخطيرة، وارتفاع مستويات مياه البحار، والأعاصير المدارية الأكثر خطورة، ستكون لها تداعيات أقوى على العالم النامي.

وقال “الدول الأكثر ثراء لديها القدرة على تطوير، ومن ثم جلب، الأجهزة إلى دول مثل بلادنا وتركيبها باستخدام مفك براغي فقط”، مشيرا بذلك إلى أجهزة مثل طواحين الهواء الحديثة والألواح الشمسية. وقال إن كل هذا حسن ومفيد، “لكنني أزعم أن الفقراء يعرفون بالفعل أكثر بكثير عن كيفية التعامل مع مشاكل الفقر والتأثيرات المناخية مما يعرفه الأغنياء.”

تكيفت بنجلادش، على سبيل المثال، مع التهديد المتزايد الذي تشكله الأعاصير المدارية.

قال سليم الحق “في العقود الماضية، شهدنا أعاصير عملاقة أودت بحياة مئات الآلاف. وشهدنا إعصارا واحدا في عام 1970 أودى بحياة نصف مليون شخص”.

في العام الماضي، تطور إعصار أمفان العملاق فوق خليج البنغال وكبر بسرعة ليصبح من أكبر العواصف المسجلة في المنطقة. ولكن عندما بلغ سواحل الهند وبنجلادش في 20 مايو أيار، سقط 128 قتيلا فقط، من بينهم 26 في بنجلادش.

وقال “في العقد الماضي، أنشأنا أفضل نظام تحذير وحماية من الأعاصير في العالم. وبدلا من سقوط مئات الآلاف من القتلى، أصبح العدد بالعشرات.

“الإعصار ما زال يحدث. لا يزال يسبب الكثير من الدمار. المنازل والبنية التحتية والناس فقدوا منازلهم ومزارعهم. لكنهم لم يموتوا.”

حدث ذلك على هذا النحو لأن العلماء أقنعوا قادة الشعب بأن التهديد من الأعاصير آخذ في الازدياد، ثم ساعدوا في وضع خطة للتحذير والإخلاء والإيواء، بناء على أفضل الأبحاث المتاحة.

كما تم إنقاذ الأرواح من خلال طرق الأطفال على الأبواب.

قال سليم الحق “ذهب الأطفال إلى منازل مختلفة وأحضروا الأرامل والأمهات الذين ليس لديهم من يساعدهم … حرص الأطفال على ذهاب جدودهم إلى الملجأ”.

وقال مدني إن بعض الحلول للتغير المناخي في بعض الأحيان تكون أقل فاعلية، بل ويمكن أن تؤدي إلى تفاقم المشكلة.

عندما كان مدني في فلوريدا، تعاون مع الإيراني سعيد هاديان أحد طلابه لدراسة عواقب استخدام مصادر الطاقة البديلة مع زيادة الطلب على الكهرباء وابتعاد البلدان عن الوقود الأحفوري.

وحين تتاح مساحات كبيرة من الأراضي غير المستخدمة، فقد يكون نشر الألواح الشمسية على مساحات كبيرة بالأفدنة منطقيا. وقال هاديان إن الطاقة النووية أو مزارع الرياح البحرية قد تكون حلا أفضل في أماكن أخرى تحتاج فيها الزراعة إلى الأرض.

كاليفورنيا، على سبيل المثال، تحصل على ما يقرب من خُمس طاقتها من السدود الكهرومائية. لكن هذه السدود تفقد بفعل التبخر كميات هائلة من المياه يمكن استخدامها في الزراعة والشرب. وفي المقابل، يتم استخدام أو تلوث كمية أقل من المياه عند استخراج الغاز الطبيعي والفحم من الأرض واستخدامها في محطات توليد الطاقة مقارنة بما يهدره التبخر.

لا يدعو مدني إلى حرق الفحم بالطبع. ووجهة نظره هي أن بعض الخيارات منخفضة أو معدومة الكربون، مثل السدود، يمكن أن يكون لها عواقب غير مقصودة على التغير المناخي والبيئة والنظم البيئية. وبالنسبة لبعض البلدان، فإن التهديد الذي يشكله السد الكهرومائي على إمدادات المياه قد يعني أن الغاز الطبيعي أو محطة الطاقة النووية أكثر منطقية.

ويقول مدني إن الوضع أسوأ في شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث عملت الحكومات منذ عشرات السنين على بناء السدود كمصدر رخيص ونظيف للكهرباء.

ويضيف “الطاقة الكهرومائية ليست فكرة جيدة، لكن معظم السياسيين يحبونها … أنت تقنع بها الآخرين على أنها متجددة وعلى أنها نظيفة. وهي تأتي مع الكثير من الخرسانة. وهي حقا في صالح الاقتصاد المحلي، على المدى القصير”.

أما على المدى الطويل، فتُفقد كميات هائلة من الماء بسبب التبخر. ويزداد الطلب على المياه حول السد دائما تقريبا، وفي المناطق التي تشهد هطول أمطار أقل بسبب تغير المناخ، يؤدي ذلك أيضا إلى تعطش المزارعين في المصب، أحيانا على بعد آلاف الأميال في بلدان مختلفة، للمياه اللازمة للري.

وقال مدني “احذروا العواقب غير المقصودة”.

في الأشهر التي تلت نزول مدني من تلك الطائرة في اسطنبول، تم إدراجه رسميا كأستاذ زائر في إمبيريال كوليدج لندن. وفي الواقع، كان مدني مختبئا.

وبالاعتماد على مساعدة الأصدقاء القدامى، شق طريقه من تركيا عبر أوروبا إلى أمريكا الشمالية. ولكن حتى بعد أن عبر مدني المحيط الأطلسي، لم يشعر بالأمان. أمضى حوالي ثمانية أشهر يتنقل بين الولايات المتحدة، حيث يتمتع بالإقامة الدائمة، وتورونتو، حيث عاشت زوجته قبل زواجهما. وأجرى مقابلات وتحدث في مؤتمرات، لكن لم يكن هناك مكان يشعر بأنه وطنه.

في يناير كانون الثاني 2019، شعر بدرجة أكبر من الأمان. تولى وظيفة أستاذ زائر في مركز ماكميلان للدراسات الدولية بجامعة ييل وقسّم وقته بين حرم نيو هافن وتورونتو.

كان مدني يحتل المرتبة 684 على قائمة رويترز في منتصف عام 2019. وبحلول ديسمبر كانون الأول 2020، خرج من القائمة. وهذا لأنه كان ينشر أبحاثا أقل وهو يبحث عن ملاذ. وحتى منذ انضمامه إلى جامعة ييل، لم ينشر أبحاثا بالقدر الذي كان ينشر به من قبل.

وأضاف “كان هناك الكثير من الأبحاث والدعوات للانضمام إلى الفرق التي رفضتها، لأنني كنت أقوم بأشياء أخرى أو اعتقدت أن ما يقولونه نظري لدرجة مفرطة وليس له أي آثار أو تأثير كبير على السياسة”.

يخطط مدني للبقاء في الوسط الأكاديمي لكنه يريد أن يفعل المزيد في العالم الواقعي، حيث يمكنه التحدث إلى عامة الناس، في كل من الغرب وإيران. وهو لا يزال مغردا بغزارة باللغة الفارسية، ينتقد إيران أحيانا ويدافع عنها أحيانا. كما نشر مقالات رأي حول مواضيع تشمل الضباب الدخاني في مسقط رأسه في طهران، في منشورات مثل صحيفة الجارديان ومجلات على الإنترنت.

قصت جائحة كوفيد-19 جناحيه أيضا. فقد كان قلقا بالفعل بشأن السفر بسبب تهديدات من إيران، لكنه لم يعد يسافر الآن وتحول إلى بث عروض الفيديو. وهو على اتصال بوالديه المُسنين في إيران، اللذين أصبحا الآن في السبعينيات من العمر، عبر تطبيق واتساب. وقد عانى والده مؤخرا من مشاكل صحية خطيرة، ومن الصعب تحمل الانفصال بشكل خاص.

لذلك كانت والدته متحمسة عندما قام مركز دراسات الشرق الأدنى بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس ببث محادثة باللغة الفارسية مع مدني في أكتوبر تشرين الأول حول الصعوبات التي تواجهها إيران في التعامل مع الجفاف ونقص المياه والمشاكل البيئية الأخرى الناتجة عن تغير المناخ وسوء الإدارة والتنمية والسياسة.

لكن أثناء العرض التقديمي، الذي تم بثه مباشرة على انستجرام، تصفحت والدته التعليقات. عاد كارهو مدني المنظمون، وهاجمه بعضهم بسبها بألفاظ نابية.

وقال مدني “انفطر قلب أمي”.

خاص - رويترز
Exit mobile version