عن الوعي الكاذب.. خـطــاب الســلـطة الفلسطينية أنموذجاً

نقد أي تجربة سياسية يمؤسس بطبيعة الحال الى بناء فهم وتصور حول مستقبل هذه التجربة وفق مراجعات جذرية وشاملة تستوعب ثنائياتها نقاط القوة والضعف والانجازات والاخفاقات.
يحدث هذا الفهم والتحليل أول ما يحدث في استعياب الخطاب الرسمي – السياسات العامة – وتفكيكه وإعادة انتاجه وفق منهج عملي وعلمي يضع الامور في سياقها الطبيعي دون تداع أو اشتباه.
وفي ضوء المشهدية الفلسطينية القائمة اليوم والتي يغلب عليها عناوين الضياع والتشتت يغدو من الضروري اليوم تفكيك الخطاب الرسمي للسلطة الفلسطينية ومراجعة تجربتها في الحكم منذ عام 2005 وحتى اليوم، ووضع النتائج امام الشعب الفلسطيني والرأي العام على الأقل لانقاذ ما يمكن انقاذه وفتح الطريق أمام الاجيال في رسم مستقبلهم وبناء نموذجهم السياسي، الاقتصادي والاجتماعي.

” توطئة تاريخية “
تشكلت السلطة الفلسطينية وأذرعها وفق مخرجات اتفاقية اوسلو التي أُبرمت بين منظمة التحرير والكيان الاسرائيلي عام 1993. وقبل هذا التاريخ الحاسم خاضت منظمة التحرير جبهات نضال واسعة، رافقها تحركات سياسية على مستوييَن اقليمي ودولي، وحين كانت قوى التحليل داخل مركز القرار الفلسطيني بدأت تقتنع في ضرورة ايجاد حل سياسي يوازي الحل العسكري أو يمهد له كان الذهاب الى خيار اوسلو يعد بمثابة خيار ضرورة رأى فيه ياسر عرفات حينها أنه خطوة في الاتجاه الصحيح في معركة استقلالية القرار الفلسطيني وسحبه من بلاط النظام الرسمي العربي من جهة
ونقل المعركة الى داخل الارض المحتلة من جهة اخرى.
بعد اوسلو عادات القيادة الفلسطينية الى الارض المحتلة وتم اجراء اول انتخابات تشريعية ورئاسية عام 1996 وأخذت دولة فلسطين تتشكل تدريجيا رغم كل المعيقات التي واجهتها ليس اولها تفاهمات واي ريفر وليس اخرها بالطبع ضغوطات كامب ديفيد الثانية التي فجرت انتفاضة الاقصى عام 2000.
ومع ذلك استطاعت السلطة الفلسطينية حتى عام 2005 الحفاظ على مستويات معقولة من الواقعية السياسية والحفاظ على الكرامة الوطنية وتحدي الاحتلال والأهم كان الخطاب الوطني يجري داخل قنوات وطنية حقيقية .

” ما بعد 2005 “
شكل رحيل ياسر عرفات علامة فارقة في وجدان فلسطين شعبا ودولة ومنذ ذلك اليوم انتقلت السلطة الفلسطينية الى حالة مشوهة سواء أكان ذلك على مستوى الممارسات أو الخطاب ، ويمكن تتبع ملامح هذا التشوه فيما يلي :
1- تغليب السلطة الفلسطينية كاداة تنفيذية تتجاوز وتتعالى على منظمة التحرير الفلسطينية مما استدعى ذلك اعادة انتاجها كذراع قائم على ثنائية – ليبرالية امنية – اتاحت الى انضاج التضخم والترهل والفساد الذي تحميه شبكة مصالح يقودها محمود عباس وفريقه .
2- اعدام مباشر لخيارات الشعب الفلسطيني في مواجهة عدوه الاسرائيلي وتثبيت الخيار السلمي الهزيل كحل وحيد أفضى الى مزيد من الاحتلال والتوسع والاستيطان كما افضى الى انقسام شرخ المعادلة الوطنية الفلسطينية بنفس الدرجة التي شرخ بها الجغرافية والقرار الفلسطينييَن.
3- تحول الخطاب الرسمي من خطاب وطني جامع الى خطاب أبوي سميك ينطلق من نرجسية موهومة للزعيم الاوحد في محاولة الى بناء نموذج استبدادي يحاكي أهدافا شخصية .
هذا التحول خلق معه انقسامات افقية وعامودية وأدى الى تحويل الثروة الوطنية من يد المجتمع الى يد قيادات عائلية اقطاعية صغيرة وسحب القرار الوطني الفلسطيني من يد الشعب الفلسطيني الى يد مجموعات متنفذة لها تاريخ واسع من الانتهازية والاستغلالية والفساد.
4- سعت تجربة محمود عباس خلال 15 عاما الى التلاعب على الوعي الجمعي الفلسطيني عبر تشكيل حالات من الوعي الكاذب الذي يراد له أن يكون حقيقيا وذلك عبر توظيف ماكينات الاعلام وتكييف التناقضات تحت شعار وطني لكنه يذهب في اتجاهات غير وطنية .
5- الوعي الكاذب الذي نضجت ملامحه انطلق من سياقات الدولة العميقة الموازية والمتوارية في الخلف وهي سياقات محددة بثلاث اتجاهات :
أ- بارانويا الحصار :
بيع الوهم للناس أن الوطن مهدد وعرضة للخطر من اعداء خارجيين ومخربين داخليين يحملون ولاءات غير وطنية
ثم يأتي تصدير القيادة الفلسطينية الحالية أنها حارسة للزمن والمكان الوطني والوحيدة القادرة على تأمين حياة الناس ورعاية مصالحهم وهو أمر يمكن تلمسّه بوضوح داخل الخطاب الرسمي اليومي للحكومة الفلسطينية ومحاولات الادعاء عن الاجندات الخارجية .
ب- المنفعية الزبونية :
في سياق احكام القبضة على كل مفاصل الحياة السياسية والاقتصادية تشكل اللوبيات الخفية شبكة مصالحة قائمة على المنفعية الزبونية وذلك عبر صفقات اقتصادية ضخمة وتنفيعات وشراء ذمم وترك الاقتصاد الوطني فريسة لاقلية مهيمنة تستفرد بالثروات والمكاسب بينما يرزح بقية الشعب تحت وطأة الخطر المعيشي والفقر والبطالة والقروض.
وهو ما يعرف بنموذج الخمس مقابل واحد أو 5% مقابل 95% بمعنى خمسة بالمائة فقط يحظون بكل المنافع بينما تعاني ال 95% من شبح الجوع والامراض والعوز.
ج- الاستثمار بالمؤسسات الامنية :
يجري تقديم الاجهزة الامنية لتكون في الواجهة أمام مشاعر وسلوكيات الرفض الشعبية في محاولة لفرض السيطرة واطلاق اليد المغلولة على أعناق الناس من جهة ،
وجر المواطنين الى مربع الخيانة من خلال تصديرهم اعلاميا كمندسين يواجهون السلطات الامنية من جهة اخرى.
في نوع من الفرز المجتمعي المستمر بين وطني وغير وطني منتمي وغير منتمي.
وفي ضوء ما سبق يتضح كيف استثمرت السلطة الفلسطينية في الجهاز الامني باختلاف مسمياته وكيف تحولت هذه الاجهزة الى جزء من جهاز قمعي يوجه ضد المواطنين وذلك من خلال اعداد واسعة من الاعتقالات والتصفية والاغتيالات داخل فلسطين وخارجها.

اذا ثمة تجربة سياسية فاشلة بامتياز تتبدى فيها حالات الفشل على مستوى الاداء والخطاب عنوانه المستمر تغييب الوعي الحقيقي الوطني لصالح نماذج وهمية مشتبهة من وعي بديل لا يحقق أي هدف سوى مزيدا من الهزيمة والتراجع والانكفاء.
وهو ما يعني بالضرورة وضع حد لكل هذا العبث الممنهج ولجم هذه الفوضى المرتبة بعناية شديدة من خلال انضاج مشهد فلسطيني جديد وطني عصري يؤسس لبناء سياسي اقتصادي اجتماعي ثقافي مختلف عبر فرز قيادات أكثر قدرة على تحمل المسؤولية واستبدال الخطاب الأبوي الذي يسحب من الرصيد الوطني والديني حسب الحاجة بخطاب وطني جامع يضع المواطنين على حد سواء ويرفع التحرر والعدالة الاجتماعية مهدف ومنجز وطنييَن.

RT تابعوا بدون رقابة على
RT تابعوا بدون رقابة على